أغسطس 18, 2026

أصواتٌ صامتةٌ

أصواتٌ صامتةٌ

دراسة الهويّة الثّقافيَّة البدويَّة من منظورِشابّاتٍ بدويّاتٍ لبنانيّاتٍ عبر منهجيّة فوتوفويس

المقدمة ومبررات البحث

الموقعية، والسلطة، وفلسفة البحث

بصفتي باحثة تشاركية وناشطة نسوية، وانطلاقًا من مبادئي الشخصية واهتمامي العميق بقضايا السلطة، أضع بحثي ضمن عالم يتسم بظلم عميق ومتجذر؛ عالم تسود فيه السرديات المهيمنة، وتبقى فيه أصوات كثيرة، ولا سيما أصوات النساء، مُسكتة. في لبنان، وفي منطقة البقاع بشكل خاص، يتشكل هذا الواقع بفعل مشكلة مستمرة تتمثل في التحكم بالسرديات، حيث تعود الرواية الرسمية إلى أصحاب السلطة. فمن جهة، أدّى الاستعمار دورًا حاسمًا في محو السرديات وتشويهها، وقد واصلت الدولة اللبنانية هذا المحو ضمن نظام أبوي مهمّش لأصوات النساء والرجال على حد سواء. ومن جهة أخرى، يضيف الرأسمال طبقة أخرى من التعقيد، من خلال تشكيل فرص الوصول إلى السرديات عبر تفاوت التمويل والدعم المقدم لوسائل الإعلام التقليدية، بما يؤثر في نهاية المطاف في القصص التي تُروى وتلك التي تبقى بلا صوت.

أؤمن بأن البحث لا ينبغي أن يظل حبيس الأوساط الأكاديمية، كما لا ينبغي له أن يعيد إنتاج نماذج استخراجية تنتزع المعرفة من المجتمعات، ولا سيما في السياقات الاستعمارية، من دون تبادلية أو ردّ لهذه المعرفة إلى أصحابها. وكما يذكّرنا Denzin وLincoln (2005)، فإن البحث ليس محايدًا أبدًا؛ بل هو متشابك دائمًا مع السلطة. فلا يمكن أن تتم «دراسة» مجتمع من دون المجتمع نفسه، وينبغي أن يتمثل دور الباحثة في الانخراط بطرق تقلل، قدر الإمكان، من اختلالات السلطة القائمة. وهذا يعني خلق مساحات، واعتماد منهجيات ومقاربات وأطر، تتيح للمجتمع أن يتحدث عن نفسه، بدلًا من أن تتوسط الباحثة في وجهات نظره أو تستبدلها بصوتها الخاص.

لذلك، أرفض مقاربات البحث الاستعمارية التي تضع الباحثة في موقع الخارج الذي يفرض أجندته الخاصة. وبدلًا من ذلك، أتعامل مع البحث بوصفه عملية دخول إلى المجتمع، والإصغاء إليه، والعمل معه، من دون إجبار المشاركات على التوافق مع أولويات خارجية.

المنهجية والمقاربة

بصفتي مصوّرة، طوّرت أيضًا اهتمامًا خاصًا بالمناهج البصرية بوصفها وسيلة للانخراط في البحث وإنتاج المعرفة. ويهمني استكشاف الإمكانات التي تتيحها المناهج البصرية، بما يتجاوز الأشكال التقليدية لجمع البيانات، ولا سيما في خلق طرق بديلة تمكّن الناس من التعبير عن تجارب قد لا يكون من السهل دائمًا التعبير عنها بالكلمات وحدها.

وفي الوقت نفسه، جعلني انخراطي في مجال التصوير أكثر وعيًا بأن المناهج البصرية ليست بطبيعتها تشاركية أو تمكينية. فللتصوير تاريخ استعماري طويل، ولا سيما في التصوير الوثائقي والصور الإنسانية، حيث يدخل الباحثون والمصورون إلى المجتمعات، ويلتقطون الصور، ثم يغادرون، بينما تنتقل الصور وتُتداول في أماكن أخرى، وتفقد المجتمعات ملكيتها لقصصها الخاصة. وتعيد هذه الممارسات الاستخراجية إنتاج علاقات غير متكافئة من السلطة، كما تثير أسئلة أخلاقية مهمة حول من يملك سلطة تمثيل من، ومن يتحكم بالصورة، ومن يُمنح تفسيره القيمة في نهاية المطاف.

وقد دفعني هذا التوتر بين إمكانات المناهج البصرية وإمكانية إعادة إنتاجها لأشكال بحثية استخراجية إلى البحث عن منهجية يمكن من خلالها استخدام التصوير بطريقة مختلفة؛ منهجية تضع إنتاج الصور وتفسيرها في أيدي المشاركات أنفسهن. وبناءً على ذلك، اعتمدت منهجية تشاركية تستند إلى أطر نسوية، ومناهضة للاستعمار، وتقاطعّية، وتتوافق مع موقفي من عملية البحث: التصوير التشاركي (Photovoice).

طُوّر التصوير التشاركي في تسعينيات القرن الماضي، وهو منهج يستخدم التصوير الفوتوغرافي كأداة لجمع البيانات، ويتيح للمشاركات التقاط صور من حياتهن اليومية وسرد قصصهن من خلال عدساتهن الخاصة. وهو يمنحهن agency، أي القدرة والسلطة على صياغة سردياتهن الخاصة. كما يضعهن في موقع الباحثات المشاركات، إذ يساهمن في عملية البحث «على قدم المساواة مع الباحثة الرئيسية»، بدءًا من التخطيط ووصولًا إلى التنفيذ.

وبذلك، أتاح التصوير التشاركي الجمع بين اهتمامي بالمناهج البصرية والتزامي الأوسع بالبحث التشاركي والنسوي والمناهض للاستعمار.

المجتمع البدوي وسياق البحث

انطلاقًا من اهتمامي الشخصي، وملاحظاتي الطويلة خلال تجاربي السابقة في العمل مع المجتمع البدوي في البقاع، ومن خلال إعداد أطروحة الماجستير الخاصة بي عام 2020، والتي تناولت منهجية التصوير التشاركي وطوّرت دليلًا يراعي الحساسيات الثقافية لهذا المجتمع، تعمّق فهمي للمجتمع ولسياقه الثقافي، وفي الوقت نفسه برزت أسئلة إضافية لم يكن من الممكن تناولها من خلال عملي السابق وحده. وعلى وجه الخصوص، أصبحت مهتمة بكيفية فهم الجيل الأصغر لهويته البدوية والتفاوض حولها ضمن الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي للبنان المعاصر.

يركز هذا البحث، بالتالي، على الهوية الاجتماعية والثقافية لجماعة مهمّشة تاريخيًا واجتماعيًا وسياسيًا: المجتمع البدوي في منطقة البقاع في لبنان، مع التركيز بشكل خاص على الشابات. وقد انطلق التركيز على الشابات البدويات من ملاحظاتي حول كيفية تقاطع النوع الاجتماعي والجيل في عملية التفاوض حول الهوية.

فعلى سبيل المثال، لاحظت خلال العمل الميداني أن الشباب البدويين ينتقلون بين أنماط لغوية مختلفة بحسب جمهورهم. فعندما يتحدثون معي، يستخدمون اللهجة اللبنانية البعلبكية، بينما يتحدثون فيما بينهم باللهجة البدوية. كما تتغير خياراتهم في اللباس تبعًا للسياق؛ إذ ترتدي بعضهن، في بعض المناسبات، ما يمكن اعتباره لباسًا «عصريًا» مشابهًا لما أرتديه، بينما يلتزمن بأنماط مختلفة من اللباس داخل مجتمعاتهن، ولا سيما في حفلات الزفاف والجنازات وغيرها من المناسبات الاجتماعية. وعلى خلاف أسلافهن، لم يعش هؤلاء الشباب البدويون حياة الترحال قط، إذ وُلدوا ونشأوا في لبنان. وما أثار اهتمامي أكثر هو أنهم، رغم أنهم لم يعيشوا قط وجودًا بدويًا رحّلًا، ما زالوا يعرّفون أنفسهم بقوة بوصفهم بدوًا.

وكان الفارق بين الأجيال داخل المجتمع لافتًا أيضًا. فالجيل الأكبر سنًا، على سبيل المثال، غالبًا ما يحمل وشومًا على الوجه، ويتحدث باللهجة البدوية فقط، ويرتدي الملابس البدوية التقليدية. وقد أثارت هذه الاختلافات أسئلة حول كيفية الحفاظ على الهوية وتحولها وإعادة تفسيرها عبر الزمن، وكيف يمكن للهوية الثقافية أن تستمر حتى عندما تتغير بعض الممارسات المرتبطة بها تاريخيًا.

وفي حين ركزت النقاشات القائمة حول المجتمعات البدوية في كثير من الأحيان على تهميشها التاريخي، والنزوح، والجنسية، أو أنماط الحياة التقليدية، فقد حظيت الكيفية التي يفهم بها الجيل الأصغر نفسه هويته البدوية ويعبّر عنها في لبنان المعاصر باهتمام أقل.

يسعى هذا البحث إلى سد هذه الفجوة من خلال وضع النساء البدويات في مركز البحث بوصفهن فاعلات نشطات، واستكشاف كيفية إدراكهن لهوياتهن داخل المجتمع اللبناني ومجتمعهن البدوي على حد سواء. وعلى وجه التحديد، يسعى البحث إلى تطوير فهم أعمق للعوامل المتقاطعة التي تشكل هوية الشابات البدويات وتؤثر فيها، مع تعزيز أصواتهن وتجاربهن وإتاحة مساحة لهن لمشاركة قصصهن ووجهات نظرهن. ومن خلال وضع وجهات نظرهن في المركز، يسعى البحث إلى فهم ليس فقط العوامل التي تسهم في تشكيل إحساسهن بالهوية، بل أيضًا الكيفية التي يمنحن بها هذه العوامل معنى، والطرق التي يعبّرن من خلالها عن تجاربهن. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن البحث يسعى إلى تجاوز التمثيلات التي تُنتج عن النساء البدويات من خارج المجتمع، وبدلًا من ذلك خلق مساحة تتيح للشابات البدويات المشاركة في تعريف هوياتهن وتمثيلها.

ومن هذا المنطلق، يكتسب التصوير التشاركي أهمية خاصة في هذا البحث، لأنه يتيح للنساء المشاركة في إنتاج تمثيلات حياتهن الخاصة وتفسيرها، بدلًا من وضعهن في موقع موضوعات تُفسَّر هوياتهن بصورة حصرية من منظور الباحثة. وقد صيغ سؤال البحث الرئيسي الذي يوجه هذه الدراسة بصورة تشاركية مع الباحثات المشاركات، وهو:

ما العوامل المتقاطعة والمتشابكة التي تشكّل هوية الشابات البدويات في منطقة البقاع في لبنان، وكيف يعبّرن عن تصورهن لهذه الهوية من خلال منهجية التصوير التشاركي؟

تعامل مع البحث بوصفه عملية دخول إلى المجتمع، والإصغاء إليه، والعمل معه، من دون إجبار المشاركات على التوافق مع أولويات خارجية.
مشاركة الاقتباس

عملية البحث

بدأت عملية البحث من خلال أسلوب كرة الثلج، انطلاقًا من حمرا، وهي امرأة بدوية كانت تربطني بها علاقة ثقة من خلال عملي السابق. ومن خلال هذه العلاقة، تعرّفت إلى أفراد آخرين من المجتمع وعائلاتهم. التقيت بالعائلات، وقدّمت نفسي والمشروع، وشرحت أهدافه وعملية البحث، وناقشت مسألة الموافقة قبل البدء بالدراسة. وكانت هذه العملية مهمة بشكل خاص لبناء الثقة وفهم كيفية إجراء البحث بطريقة تحترم السياق الاجتماعي والثقافي للمجتمع. كما أتاحت لي التفكير في ضرورة تكييف التصوير التشاركي، كما هو الحال مع أي منهجية، مع السياق المحلي المحدد الذي تُطبّق فيه، بدلًا من افتراض إمكانية تطبيق منهجية طُوّرت في سياق آخر من دون تعديل. وفي النهاية، وافقت ست نساء على المشاركة في البحث.

قبل البدء بعملية التقاط الصور، خصصنا جلسة كاملة للعصف الذهني والنقاش حول ما ترغب النساء في الحديث عنه، وما يهمهن، وأي جوانب من حياتهن يعتبرنها مهمة للاستكشاف. وقدّمت إطار التقاطعية بوصفه طريقة لفهم الهوية باعتبارها معقدة ومتشكلة من عوامل متعددة ومتداخلة. وبدلًا من استخدام هذا الإطار بوصفه بنية ثابتة مفروضة على الباحثات المشاركات، قدمته كنقطة انطلاق للنقاش والتأمل. ومن خلال هذه العملية الجماعية، صغنا سؤال البحث النهائي معًا، وحددنا ستة محاور أولية توجه عملية التقاط الصور: الهوية والتقاطعية، الحداثة والتقاليد، الأسرة والمجتمع، أدوار النوع الاجتماعي، التعليم والفرص، والآمال والأحلام.

لم يكن الهدف من هذه المحاور أن تعمل بوصفها فئات جامدة أو نتائج تحليلية محددة مسبقًا. بل وفرت نقاط انطلاق للنساء للتفكير في تجاربهن الخاصة وتحديد ما يرغبن في تصويره ومناقشته. وقد حصلت كل امرأة على دفتر يحتوي على هذه المحاور لاستخدامه طوال العملية. وشُجعت النساء على التقاط صور إيجابية وسلبية على حد سواء، ومُنحن الحرية في تحديد الطريقة التي يرغبن في التعامل بها مع المحاور. اختارت بعضهن المحور أولًا ثم بحثن عن صورة تمثله، بينما التقطت أخريات الصورة أولًا ثم فكرن لاحقًا في المحور الذي ترتبط به. كما تركنا عمدًا صفحة فارغة لصورة حرة، بما يتيح للنساء توثيق شيء يعتبرنه ذا معنى، حتى لو لم يتوافق مع أي من المحاور الأولية.

وكانت هذه المرونة مهمة لأنني لم أرغب في أن تحد المحاور المحددة مسبقًا مما تعتبره النساء جديرًا بالتصوير أو النقاش. وأصبحت الصور، بالتالي، مساحة يمكن من خلالها طرح تجارب ربما لم يكن من الممكن توقعها في بداية البحث. وبهذا المعنى، ظلت العملية مفتوحة أمام احتمال أن تتغير المحاور نفسها مع انخراط النساء فيها.

وكان استخدام التصوير الفوتوغرافي التناظري خيارًا منهجيًا مقصودًا أيضًا. ففي سياق غيّرت فيه الهواتف الذكية، وبشكل متزايد الذكاء الاصطناعي، طرق إنتاج الصور وتحريرها واستهلاكها، أردت أن تكون للنساء علاقة مختلفة مع فعل التصوير. فقد تطلب استخدام الكاميرات التناظرية منهن التمهل والانتباه أكثر إلى ما ينظرن إليه، بينما شجّع العدد المحدود من الصور المتاحة في كل فيلم على اتخاذ خيارات مقصودة بشأن ما يرغبن في التقاطه. ولم يكن الهدف وضع التصوير التناظري بوصفه أكثر أصالة بطبيعته، بل خلق تجربة تصوير أكثر قصدًا وتركيزًا.

كما نظمنا خلال العملية عدة جولات ميدانية للتجريب بالكاميرات والإضاءة والتأطير والفيلم. وأتاحت هذه الجلسات للنساء التعرف إلى الجوانب التقنية للتصوير التناظري والتجريب بإمكانات الوسيط وحدوده. وبدلًا من وضع المعرفة التقنية بوصفها شيئًا ينتقل من الباحثة إلى المشاركة، أصبحت هذه الجلسات فرصًا لنا للتعلم والتجريب معًا.

بعد التقاط الصور وتحميض الأفلام، انتقلت العملية إلى كتابة التعليقات والمناقشة. قامت النساء إما بإعداد تعليقاتهن بشكل مستقل أو بتطويرها خلال الجلسات. ثم عدنا معًا إلى الصور والتعليقات، وناقشنا المعنى الكامن وراء كل صورة وعلاقتها بالمحاور التي حددناها في البداية. وكانت هذه المرحلة مهمة بشكل خاص لأن الصور لم تُعامل بوصفها أدلة بصرية مكتفية بذاتها. بل جاء معناها من خلال تفسيرات النساء وقصصهن والنقاشات التي دارت حول الصور.

ومع بدء التحليل الموضوعي معًا، أصبح واضحًا بشكل متزايد أن المحاور الأولية لا يمكن دائمًا فصلها عن بعضها البعض. فقد أظهرت الصور والمحادثات أن الهوية والتقاطعية، والحداثة والتقاليد، والأسرة والمجتمع، وأدوار النوع الاجتماعي، والتعليم والفرص، والآمال والأحلام، كلها مترابطة بعمق. فعلى سبيل المثال، يمكن لصورة ارتبطت في البداية بالتعليم أن تتحدث في الوقت نفسه عن أدوار النوع الاجتماعي، وتوقعات الأسرة، والتمكين، والفرص الاجتماعية، والتطلعات المستقبلية. وبالمثل، تحولت النقاشات حول التقاليد والحداثة في كثير من الأحيان إلى نقاشات حول الهوية والانتماء والنوع الاجتماعي والطرق التي تتفاوض بها النساء حول سياقات اجتماعية مختلفة.

وقد دفعتنا هذه العملية إلى إعادة النظر في المحاور الأولية بدلًا من استخدامها ببساطة بوصفها فئات تحليلية ثابتة. ومن خلال نقاشاتنا وتحليلنا الجماعي، دمجنا المحاور التي تقاطعت بشكل متكرر، وطوّرنا محورين أوسع: الهوية والتقاطعية بين التقاليد والحداثة؛ والهوية الجندرية بين التعليم والتمكين والمجتمع.

وكان الانتقال من ستة محاور أولية إلى محورين أوسع جزءًا من عملية البحث نفسها. فقد أظهر أن الفئات التي بدأنا بها لم تكن قادرة على التقاط تعقيد تجارب النساء بصورة كاملة عند التعامل معها بشكل منفصل. وأظهرت صور النساء وسردياتهن أن الهوية لا تُعاش من خلال جوانب منفصلة من الحياة، بل من خلال الطرق التي تتقاطع بها هذه الجوانب باستمرار وتؤثر في بعضها البعض.

والأهم من ذلك أن العملية أتاحت أيضًا ظهور محور لم يكن متوقعًا في بداية البحث. فلم ينبع هذا المحور من الإطار الأولي، بل ظهر من خلال الصور والتعليقات والنقاشات التي جرت طوال عملية البحث. وأبرز ظهوره قيمة ترك مساحة داخل البحث التشاركي للمشاركات لطرح معانٍ وتجارب قد تقع خارج توقعات الباحثة الأولية: التفاوض على الهوية بين المجالين العام والخاص.

وبذلك، أصبحت عملية البحث تكرارية وليست خطية. فقد وجّه الإطار الأولي المحادثات الأولى، وشكلت المحادثات سؤال البحث والمحاور الأولية، ووجّهت المحاور عملية التصوير، ثم قامت الصور والسرديات لاحقًا بتحدي هذه المحاور الأولية وتحويلها. وبهذه الطريقة، لم تنشأ المحاور النهائية من الصور وحدها، بل من العملية المستمرة للتصوير والتأمل وكتابة التعليقات والمناقشة وإنتاج المعنى بصورة جماعية حول تجارب النساء.

وأخيرًا، كان الطابع الجماعي للعمل جزءًا مهمًا من عملية البحث. فلم أجرِ أيًا من الجلسات بصورة فردية؛ بل كانت النساء يجتمعن دائمًا كمجموعة. وأصبح جمع نساء ذوات تجارب ووجهات نظر وطرق مختلفة في فهم هوياتهن جزءًا أساسيًا من العملية نفسها. فقد أسهمت عملية مشاهدة بعضهن لبعض والإصغاء إلى بعضهن البعض، والتعليقات والتأملات التي تبادلنها استجابةً لقصص وصور بعضهن البعض، والعلاقات التي تطورت طوال العملية، جميعها في إنتاج المعرفة. وقد تتردد صورة أو قصة تشاركها إحدى النساء لدى امرأة أخرى، أو تثير منظورًا مختلفًا، أو تفتح نقاشًا ربما لم يكن ليظهر في جلسة فردية. وبهذا المعنى، لم يكن البحث متعلقًا فقط بما صورته كل امرأة أو قالته، بل أيضًا بما حدث بينهن؛ أي العملية الجماعية للإصغاء والمشاهدة والاستجابة وإنتاج المعنى معًا.

خلاصة البحث: التفاوض بين المجالين العام والخاص

تتفاوض الفتيات البدويات مع افتراضات هرمية، مثل الحداثة في مقابل التقليدية، والنساء في مقابل الرجال، والعلمانية في مقابل الدين، والخصوصية في مقابل الكونية، بطرق معقدة وغير متكافئة. وقد كشف بحث التصوير التشاركي عن كيفية تعبير المشاركات عن تجاربهن المعاشة من خلال إطار يجمع بين الفخر بالتقاليد والرغبة في تبني قيم مثل الاستقلالية والتعليم والمساواة بين الجنسين. فهن لا يقاومن التغيير ببساطة، ولا يتشبثن بالتراث فحسب، بل يتفاوضن حول توازن ديناميكي بين الهوية الموروثة والضغوط المعاصرة التي تشكلها العولمة والحداثة.

وقد شكّل التصوير وسيطًا قويًا للتعبير عن تجارب يصعب في كثير من الأحيان التعبير عنها بالكلمات. وتحدّت الصور التي اختارتها المشاركات الصور النمطية التي تصور النساء البدويات بوصفهن حاملات سلبيات للإرث الثقافي. وبدلًا من ذلك، ظهرت هؤلاء الشابات بوصفهن فاعلات نشطات في تشكيل سردياتهن الخاصة؛ سرديات تتسم بالصمود والفخر وأشكال المقاومة الهادئة. وقد التقطت العديد من الصور لحظات من القوة والكرامة، مما تحدّى التفسيرات الاختزالية لهوياتهن الجندرية والجماعية على حد سواء.

وقد كشفت أفعال التمثيل هذه، بصورتها البصرية والسردية، عن الاستراتيجيات المتعددة الطبقات التي تستخدمها هؤلاء الشابات للتعامل مع البنى التي تشكل حياتهن. وسواء تعلق الأمر بالتفاوض حول التوقعات الاجتماعية، أو مواجهة الأدوار الأسرية، أو مقاومة التهميش الاجتماعي الأوسع، فقد عبّرت المشاركات عن وعي حاد ببنى السلطة التي يعملن ضمنها، وبالقيود والفرص التي تفرضها هذه البنى. وبهذا المعنى، مكّن التصوير التشاركي المشاركات ليس فقط من توثيق واقعهن، بل أيضًا من التدخل بصورة فاعلة في النقاشات الأوسع حول النوع الاجتماعي والهوية والانتماء، داخل مجتمعاتهن، وضمن الأطر الأكاديمية، وفي الخطاب العام.

وكان التوتر بين المجال العام والمجال الخاص واضحًا بشكل خاص في شهاداتهن. فمن جهة، يفرض المجال الخاص، الذي تحدده توقعات الأسرة والأعراف المجتمعية، الولاء للعادات والأدوار الاجتماعية والتوقعات الجندرية الموروثة. ومن جهة أخرى، يفرض المجال العام، سواء في المجتمع المدني أو الجامعات أو أماكن العمل، معاييره الخاصة للشرعية والنجاح والقبول. وتعيش الشابات البدويات بين هذين المجالين، ويتفاوضن باستمرار حول كيفية تقديم أنفسهن، وكيفية حماية قيمهن، وكيفية تأكيد حقوقهن.

وهذا التفاوض المستمر ليس عبئًا فحسب، بل هو أيضًا شكل من أشكال الفاعلية والقدرة على الفعل. وفي خضم هذا الصراع، طوّرت العديد من الفتيات هوية مرنة تستوعب التقاليد مع التكيف الانتقائي مع السياقات الجديدة. فهن لا يرفضن الأدوار الموروثة أو يقبلنها ببساطة؛ بل يعيدن تشكيلها. إذ يجري تبني بعض العناصر، وإعادة تعريف بعضها الآخر، وترك بعضها الآخر بصورة واعية. وتعكس هذه العملية ليس فقط الصمود، بل أيضًا درجة عالية من الوعي بالذات والاستقلالية الاستراتيجية.

ومن المهم أن هذه المفاوضات غالبًا ما تكون غير خطية ولا قابلة للحسم. فقد تستمر التناقضات المتضمنة في الانقسام بين المجالين العام والخاص طوال الحياة. ومن ثم، تصبح المرونة أداة للبقاء. فبدلًا من السعي إلى تحقيق انسجام كامل أو حل كل توتر، وصفت المشاركات تركيزهن على ما يمكن إدارته أو تغييره أو مقاومته. فقد تختار إحداهن إعطاء الأولوية للتعليم على الزواج، أو استعادة الفخر بالتراث من دون إعادة إنتاج جميع معاييره. وتُعد هذه القدرة على تحديد الأولويات، وقبول الانتصارات الجزئية، والعيش مع الغموض، أساسية للحفاظ على إحساس بالفاعلية والسيطرة على الحياة والرفاه.